الحب فطرة سماوية، و نبض أبدي، إنما الإنسان أثر 2

الحب فطرة سماوية ، ونبض أبدي ،
إنما الإنسان أثر2 .
د. تهاني رفعت بشارات
الحب ليس اختيارًا وافدا ، يُفرض على قللوب الناس ، هو نورٌ سماويٌّ قريب، يتسلّل في الأرواح كما يتسلّل الغسق إلى فجر الليل بلا استئذان بلا سبب . هو نهرٌ جارٍ بكل خاصيّة العذوبة ، فلا يسأل لمَ يجري وإلى أين يتجه ، يكفيك أن تغمس روحك فيه لتشعر بالطمأنينة والنقاء . قالها النبي المعصوم ، صلى الله عليه وسلم، بصدق المتجرد عن التكلّف والصنعة : “اللهم لا تلُمني فيما لا أملك”، فالأفئدة ليس بيد أصاحابها ، هي بين إصبعين من أصابع الرحمن لا تشبهنا، يقلبها كيف يشاء لمن شاء ، ولو كان للإنسان سلطان على فؤادة ، لما أُزهِقت الأرواح حبًا ولذع ، ولا أُحرقت القلوب شوقًا واكتواء، ولا سهرت العيون أرقًا وجحوظ.
لا تسأل محبًا: “لماذا أحببت؟” فهو لم يختر طريقه متقصّدا، بل سلكه كما تسلك الطيور المهاجرة سماءها دون بوصلة أو تسيير ، وكما ينجذب الزهر إلى نور الشمس بلا تفكير وضنك . قد تقابل شخصًا مليئًا بالعيوب المارقة، لكنه يحمل في داخله شعاعًا واحدًا من النقاء الفريد ، فتراه ببصيرتك النافذة لا بعينيك القصيرة ، فتحبه لذلك النور المنتشي ، وتنسى العتمة اللامة من حوله. وقد تقابل آخر يتوشح بكل محاسن الدنيا، الخادعة ، لكن في داخله عيب واحد يطفئ بريقه كجرّة مهملة ، فلا تراه إلا بذلك العيب، فتدير وجهك عنه غير آسف ولا مبال . إن عين المحب لا ترى إلا الجمال الموسوم زهدا ، تمامًا كما ترى الفراشة اللهب ضوءًا يحتضنها لا نارًا تحرقها.
الحب ليس كلماتٍ منمقة ولا وعودًا معلقة في الهواء الخفيف ، هو دعاء صادق ينبع من القلب المريد ، هو أن ترفع كفيك إلى السماء في جنح الليل الأخير وتقول: “اللهم احفظه، أسعده، حقق له ما يتمنى، وإن كنتُ لستُ من نصيبه، فارزقه بمن هو خيرٌ مني”. الحب احتواء واسع ، أن تجد في قلب من تحب وطنًا يحميك من قسوة العالم وحديده ، أن يكون صدره مرساك الدائم عندما تضطرب أمواج الحياة المتقلّبة ، أن يكون صوته الدافئ في غربة الأيام غطاءك.
الحب مسامحة، أن تغفر الزلات بقلبٍ أبيض كغيمةٍ تمطر الصفح على من أخطأ بلا ثمن ، أن تدرك أن الكمال لله وحده، وأن القلب الذي يحب لا يقسو مهما اشتدت العواصف . الحب أمان، أن تشعر وأنت بقرب من تحب وكأنك في بيتك الخاص، حتى وإن كنتما في أكثر الأماكن غربة، أن تنام مطمئنًا لأن هناك روحًا في هذا العالم تخشى عليك أكثر مما تخشى على نفسها المثقلة.
الحب تضحية بلا مقابل ، أن تعطي دون انتظار ، أن تسهر لياليك من أجل راحته، أن تتخلى عن بعض أحلامك لتصنع له دربًا ممهدًا بالألق . الحب أخلاق، أن تحفظ الغائب في حضوره وغيابه، أن يكون احترامك له كاحترامك لنفسك النديّة ، فلا تخونه بكلمة، ولا تخدعه بنظرة، ولا تخذله بلحظة ضعف ممسوسة.
الحب أن تحب لمن تحب ما تحب لنفسك، أن تدعو له كما تدعو لنفسك، أن تفرح لسعادته حتى وإن لم تكن جزءًا منها، أن ترى في نجاحه مجدك، وفي حزنه جرحك. الحب احترام، أن تقدر إنسانيته قبل أي شيء، أن تكون له سندًا في ضعف الأيام، وملجأً في لحظات الانكسار الموعودة.
في النهاية، إنما الإنسان أثر، والحب هو الأثر الأجمل الذي يتركه في القلوب المفعمة، هو الأمان الذي يغرسه في أرواح الآخرين، هو اليد التي تمتد للعطاء بلا انتظار عودة ، هو الكلمات التي تعيش في الذاكرة حتى بعد الرحيل المقدّر ، هو الشمعة التي تحترق لتنير فينا درب من نحب . فطوبى لمن جعل الحب رسالته الطازجة ، وكتب به أجمل فصول حياته الستين !
“من كتاب إنما الإنسان أثر الجزء الثاني
د. تهاني رفعت بشارات”